سيد محمد طنطاوي
468
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجملة * ( تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ) * حال من فاعل * ( تُحَرِّمُ ) * ، والعتاب واقع على مضمون هذه الجملة والتي قبلها ، وهي قوله * ( لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّه لَكَ ) * . والمعنى : يا أيها الرسول الكريم ، لما ذا حرمت على نفسك ما أحله اللَّه - تعالى - لك من شراب أو غيره ؟ أفعلت ذلك من أجل إرضاء أزواجك ؟ . إنه لا ينبغي لك أن تفعل ذلك ، لأن ما أباحه اللَّه - تعالى - لك ، لا يصح أن تحرمه على نفسك أو أن تمتنع عن تعاطيه ، فتشق على نفسك من أجل إرضاء غيرك . قال بعض العلماء : « ناداه بلفظ » النبي « إشعارا بأنه الذي نبئ بأسرار التحليل والتحريم الإلهى ، والمراد بتحريمه ما أحل له ، امتناعه منه ، وحظره إياه على نفسه . وهذا المقدار مباح ، ليس في ارتكابه جناح ، وإنما قيل له * ( لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّه لَكَ ) * رفقا به ، وشفقة عليه ، وتنويها لقدره ولمنصبه صلى اللَّه عليه وسلم أن يراعى مرضاة أزواجه بما يشق عليه ، جريا على ما ألف من لطف اللَّه - تعالى - به ، ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه . . » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من وقع هذا اللوم ، ومن أثر هذا العتاب ، وإرشاد له صلى اللَّه عليه وسلم بأن ما فعله داخل تحت مغفرة اللَّه - تعالى - ورحمته . أي : واللَّه - تعالى - واسع المغفرة والرحمة وقد غفر لك - بفضله وكرمه ما فعلته بسبب بعض أزواجك ، وجعلك على رأس من تظلهم رحمته . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته فقال : * ( قَدْ فَرَضَ اللَّه لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ) * . وقوله * ( فَرَضَ ) * هنا بمعنى شرع ، والتحلة : مصدر بمعنى التحليل ، والمراد بها الكفارة ، وهي مصدر حلَّل كالتكرمة مصدر كرم ، من الحل الذي هو ضد العقد . أي : قد شرع اللَّه - تعالى - لكم تحليل الأيمان التي عقدتموها ، عن طريق الكفارة ، لأن اليمين إذا كانت في أمر لا يحبه اللَّه - تعالى - فالعدول عنها أولى وأفضل . وفي الحديث الشريف يقول صلى اللَّه عليه وسلم « إني واللَّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير » . وقد اختلف العلماء في التحريم الذي كان من النبي صلى اللَّه عليه وسلم أكان بيمين أم لا .
--> ( 1 ) راجع تفسير القاسمي ج 16 ص 5852 .